الحافلة رقم 920 الحاج عبد الله
كتبهاالطارق ، في 5 أكتوبر 2006 الساعة: 14:30 م
كان الحاج عبد الله رجلا من نوع فريد جدا .فهو عكس كل الركاب ..تراه مبتسما دائما ,لا يشكو من شيء قط ,الحياة عنده شيء تافه لا يستحق أن يعاني أو يشكو من أجلها ,لهذا تراه مبتسما فرحا, وزادته وجنتاه المحمرتان دائما مظهرا محببا تشعر بالإرتياح وأنت تنظر إليه
وكانت جيوبه تمتلئ بقطع الحلوى التي يوزعها على كل طفل صغير يكون بالقرب منه, وهذه عادته حتى مع جيرانه كما أخبرني جار له .. فبمجرد أن يلمحه طفل وهو يتجه صوب منزله حتى يتجه صوبه وهو يصيح
- الحاج عبد الله آت ..الحاج عبد الله آت
فينطلق الصبيان يتسابقون لأخذ نصيبهم من قطع الحلوى التي يوزعها عليهم الحاج وهو يربت على رؤوسهم الصغيرة .. ولم تكن الحلوى مخصصة للأطفال فقط … فكم من مرة أعطاني قطعا منها حينما كنت اتنازل له عن مكاني بالحافلة عندما لا يكون هناك مكان فارغ
وكان الحاج عبد الله يسخر من مشاكل الحياة بطريقته الخاصة ,فتراه يصف نزلة البرد التي تصيبه , بالنزلة الغبية لأنها إختارت رجلا مثله وكان الأحرى بها _ أي نزلة البرد _ أن تصيب رجلا سينفق عليها المال ليشفى منه.. أما هو فملعقة زيت مخلوطة بزنجبيل كفيلة بمداواته … وكان هكذا كلما ألمت به أوقات عصيبة يسخر منها بطريقته الخاصة… وعندما كثر لصوص الحافلات وكثرت سرقاتهم للناس البسطاء والفقراء من أمثاله, أصبح يأخذ حيطته منهم وأصبح يضع نقوده في مكان آمن جدا لن يستطيع لص سرقتها مهما بلغت خفة يده ومعهما بلغت حرفته في السرقة
وكم باءت محاولات اللصوص بالفشل وهم يعجزون عن الوصول الى محفظة نقود هذا العجوز الذي لا يأبه بشيء من حوله حتى إن عدم مبالاته تعطي انطباعا بأنه من السهل سرقته
وكان الحاج عبد الله يبتسم ساخرا كلما رأى آثار الخيبة تبدو على وجوه اللصوص عندما يفشلون في سرقته…. لكن هذه السخرية لم تشف غليله منهم . فخطرت له فكرة وبدأ بالتنفيذ ..أحضر ورق الجرائد وقصه على شكل أوراق نقدية وكان يضعها في جيوبه وكان يحدثنا وهو يبتسم
عندما أحس بيد لص تتحسس مؤخرتي كنت أعرف بأنني نجحت في خداعه والنيل منه …وبأن اللص سيمني نفسه بسرقة النقوذ ليجد أوراق جرائد بالية ..
وكنا نضحك على فكرته الغريبة وكيف ينتقم من هؤلاء اللصوص .
لكن الأمور لم تكن تسير دائما لصالحي يتابع الحاج عبد الله
فمرة نجح لص في سرقة أوراق الجرائد .. إبتعد … تفقد غنيمته … فجن جنونه … وأحس بأنني أتحدى ذكائه وأسخر من غبائه ..فأراد الانتقام مني
إقترب اللص مني مرة أخرى وكانت الحافلة مملوءة عن آخرها …قال لي بحدة
- إفسح الطريق …أريد المرور
إلتفتت إليه وأشرت بيدي بمعنى تقدم …. ولم أزد على ذلك إلا أن تركت له بعض الفراغ كي يمر
لكن اللص بدأ يمطرني بالسب والشتم
- تقدم يا عجوز …يا وقح … تقدم يا بهيمة
وعلى صوته أكثر من اللازم داخل الحافلة, لدرجة أزعجت أحد الركاب ضخم الجثة طويل القامة فقال للص
ألا تخجل من أن تكلم رجلا عجوزا أبكم هكذا
قاطعنا حديث الحاج عبد الله بضحكنا وقلنا له
كانوا يعتقدون أنك أبكم؟
قال ضاحكا وقد تورد خداه أكثر
نعم …فأنا لم أنبس بكلمة منذ ركبنا الحافلة ولم أعر أدنى إهتمام لشتائم اللص… المهم أن الأمر إنتهى اللص محمولا بين كتفي الرجل ضخم الجثة بعدما تلقى منه ومن بعض المتطوعين في الحافلة سيلا من اللكمات والصفعات
ضحكنا مرة أخرى وانشغلنا في أحاديث مختلفة
في اليوم الموالي قال لنا أحد الركاب هامسا وكانوا ممن يقتون الحاج عبد الله بدون سبب
- الحاج عبد الله كان يضع أوراق الجرائد المزيفة في جيوب سرواله خصوصا في جيبي مؤخرته لأنه كان شاذا… وكان يستمتع بلمسات اللصوص وهم يبحثون ويعبثون بمؤخرته
إستغربت لهذا القول وأستنكرته وتذكرت حكاية شخصين ركبا معنا في إحدى المرات
وسنتحدث عنهما إن شاء الله في التدوينة المقبلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 5th, 2006 at 5 أكتوبر 2006 3:44 م
هل قصصك خيالية أم حقيقية؟
أكتوبر 5th, 2006 at 5 أكتوبر 2006 4:00 م
انها يوميات حقيقة أخي عادل ..
تحدث وحدثت وستحدث إن شاء الله في حافلة تحمل رقم 920 …
أكتوبر 7th, 2006 at 7 أكتوبر 2006 6:51 ص
تبارك الله عليك أخويا الطارق، دائما في انتظار جديدك… إلى الأمام إن شاء الله.
بالمناسبة لقد اشتقت إلى الدردشة معك، ولا يمنعني سوى أني بصدد تطبيق القكرة التي نورتني بها جزاك الله خيرا…
أكتوبر 9th, 2006 at 9 أكتوبر 2006 7:25 م
شكرا خويا ميلود والله يوفقك … وأنا أيضا إشتقت للحديث إليك
نوفمبر 8th, 2006 at 8 نوفمبر 2006 1:29 م
الاخ طارق الجفري
وصلت الى مدونتك وقصصك الجميلة عن طريق صديق مشترك هو الصديق الجميل شريف نجيب
قصة الحاج عبد الله رائعة وسواء كانت حقيقية ام من خيالك فهي قصة ممتعة او بالاحرى حدوتة من حكاء متمكن
اشكرك كثيرا
انا اسمي اسامة القفاش
دكتور في الدراما و حاصل على دكتوراة ايضا في فلسفة الجمال عند المسلمين
من الاسكندرية ولكني حاليا اعيش في زغرب بكرواتيا
اشكرك كثيرا على كتابتك الرائقة الجميلة
نوفمبر 8th, 2006 at 8 نوفمبر 2006 3:38 م
الاخ أسامة القفاش سعيد ومتشرف بزيارتك لمدونتي المتواضعة
وسعيد أكثر برد دكتور مثلك على ما اكتب وأقول لك ان جميع القصص التي أكتبها هي حقيقة مع تصرفات بسيطة تقتضيها ترجمتي للحوار خصوصا من اللهجة المغربية إلى اللغة العربية
شكرا مرة أخرى
نوفمبر 8th, 2006 at 8 نوفمبر 2006 4:11 م
عزيزي طارق الجميل
لا يهم ان كانت القصص حقيقية ام لا. فالمهم ان كانت ممتعة وتدفعنا للقراءة ام ولا.
وهي والحمد لله تعالى اولا واخيرا رائعة وشائقة وبسيطة حقا….وسلسة والشخصية التي تقدمها هنا او الحاج عبد الله تذكرني كثيرا بشخصية جحا في الادب الشعبي المصري او ناصر الدين خوجة في الادب التركي او الافندي في الادب الشعبي في تركمان الشرقية او سنكيانج مقاطعة قومية اليغور المسلمين في الصين. فهو البسيط الضاحك محب الحياة الذي يواجه المصاعب في مرح وبلا مبالاة فاعلة غير يائسة وهو الذي يكرهه البعض من المدعين و هو الذي يوزع الحلوى والسعادة على الناس وخصوصا الاطفال
استاذ طارق كتابتك جميلة هذا هو المهم
اشكر شريف نجيب الجميل على انه عرفني بما تكتب
اتمنى ان تزور مدونة مالك الصغير للفن فقط ففيها تجربة نشر ونقد كتابات ادبية لمبدعين من شتى انحاء العالم
دمت لنا
نوفمبر 9th, 2006 at 9 نوفمبر 2006 12:59 ص
بغض النظر عن أسلوبك السلس الحلو
عجبنى جداً إنك بتخلى القارىء بتاعك يتابع التدوينة لحد الأخر لإنه عارف إن النهاية دايماً غير متوقعة
نوفمبر 10th, 2006 at 10 نوفمبر 2006 5:10 ص
آتٍ إليك من مدونة أثق في نزاهة وذكاء صاحبها: هدوء نسبي للمدون شريف نجيب
تكتب بأسلوب جميل وسلس ودفعتني إلى قراءة قصص ركاب الحافلة في تدويناتك السابقة
فقط وددت لو أنك كنت تضيف روح المكان في تدويناتك فتشير أكثر إلى أسماء المحطات والمدن.. فهذا يزيد في رأيي من تلك الحميمية بين القاريء والحكايات التي تسردها
واصل حكاياتك.. لنواصل الاستمتاع